الانتقال إلى المحتوى

إبراهيم عليه السلام… حين واجهت الفطرةُ الوثنية

د.حذيفة الحاج يونس أرشيف قراءة ٢ دقائق

إبراهيم عليه السلام…

لم يكن مجرد اسم في صفحات التاريخ، بل كان أمة في رجل، وإماما في التوحيد، ونموذجا للثبات حين يقف الإنسان وحده في وجه الخطأ الذي اعتاده الناس.

لن تبدأ حكايتنا من مكة.. ولا من بناء الكعبة… ولا من قصة الذبح والهجرة… بل سنعود إلى البداية…

إلى عالم كانت الأصنام فيه كثيرة، وكانت العادة أقوى من الدليل، وكان الناس يرثون المعتقد كما يرثون الأسماء والبيوت والعادات.

في ذلك العالم….. نشأ فتى لم يكتفِ بأن يقول: هكذا وجدنا آباءنا…بل سأل….ومن هنا بدأت الحكاية.

قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ ۝ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَٰذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾

تأمل التعبير القرآني:﴿آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ﴾……فالقصة لم تبدأ بالتحطيم، ولا بالمواجهة، ولا بالنار…….بدأت بـ الرشد.

والرشد: هو أن يعرف الإنسان الحق، ثم يستطيع أن يميّز بينه وبين الباطل، ولو كان الباطل قد أصبح مألوفا من حوله…ز.كان قوم إبراهيم يعكفون على التماثيل.

وكان السؤال الأول الذي واجههم به إبراهيم سؤالًا بسيطًا في لفظه، عميقًا في معناه:

﴿مَا هَٰذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾؟؟؟؟ لم يكن يسأل عن أسمائها…بل عن حقيقتها….ما هذه الأشياء التي جعلتموها موضع عبادة؟

وكان الجواب:﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾.

وهنا تظهر واحدة من أخطر المشكلات التي واجهها الأنبياء عبر التاريخ:

أن يتحول الموروث إلى دليل…أن يقول الإنسان: نحن نفعل هذا لأن آباءنا فعلوه.

لكن إبراهيم لم يقبل هذا الجواب..قال: ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.

لقد كان إبراهيم عليه السلام يواجه الفكرة قبل أن يواجه أصحابها…وهذا من منهج القرآن في عرض قصته: إقامة الحجة، وإيقاظ العقل، وإعادة الإنسان إلى فطرته.

إبراهيم …وملكوت السماوات والأرض…

ثم يأخذنا القرآن إلى مشهد آخر، مشهدٍ عظيم من مشاهد الاستدلال…قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾….ثم يعرض القرآن مشهد النجم، والقمر، والشمس: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي﴾. ثم لما أفل قال: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾.

ثم رأى القمر بازغا، فلما أفل قال: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾…..ثم رأى الشمس بازغة، فقال: ﴿هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ﴾..فلما أفلت قال:

﴿يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ۝ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وهنا ينبغي أن نتوقف قليلًا….

ليس معنى الآيات أن إبراهيم عليه السلام كان يعتقد في مرحلة من حياته أن النجم أو القمر أو الشمس يمكن أن تكون إلها، ثم اكتشف خطأه.

بل بيّن المفسرون أن هذا كان مناظرة لقومه وإقامة للحجة عليهم؛ فقد كان ينتقل معهم في طريق الاستدلال ليُظهر بطلان عبادة ما يأفل ويتغير ويجري عليه قانون الكون…والدليل أن الله قال قبل ذلك: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ﴾…ثم قال إبراهيم في نهاية المناظرة: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾….أي: إن المعبود الحق ليس شيئا من هذه المخلوقات، وإنما هو خالقها.

وقد نبه ابن كثير إلى هذا المعنى، وقرر أن إبراهيم كان في هذا المقام مناظرا لقومه، مبينا بطلان ما كانوا عليه من عبادة الكواكب والأصنام….

وهنا درس مهم:

ليس كل من يسأل يكون متشككا…قد يكون السؤال أحيانا وسيلة لإيقاظ عقلٍ غافل… أو لإقامة حجة على من أمامك.

شارك:
يُبث الآن إذاعة القرآن الكريم
التالي القرآن الكريم — تلاوة الفجر · ٠٥:٣٠