الانتقال إلى المحتوى

نساؤنا ونساؤهم

أ.د.محمد أبو زيد أرشيف قراءة ٢ دقائق

لم يكن وصول النساء إلى مصاف العلماء شيئا نادرا، فقد صنف أبو الحسن المعافري كتابا بعنوان : تراجم شهيرات النساء، ونشر في مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق . هذا بالإضافة إلى كتب تراجم الرجال والجرح والتعديل، التي غصت بتراجم آلاف النساء من أهل العلم في كل مكان مثل كتاب : تهذيب التهذيب، والتقريب لابن حجر العسقلاني ، وسير أعلام النبلاء للذهبي .

لم يكن الإمام الذهبي هو أول من عرف قدر النساء العالمات، فهناك من أشهر منه بكثير، إنه الإمام البخاري، في كتابه الصحيح، وهو أعظم كتاب بعد القرآن الكريم، ثم الإمام مسلم في صحيحه كذلك، لقد لفتت العالمات المسلمات نظر هؤلاء العظماء ، فما ترددوا في نقل أخبار الرسول ﷺ رواية عنهن، فترى تلك العالمات مذكورات في سند حديث الرسول ﷺ بكثرة، ولا يتسع المقام لضرب الأمثلة.

لقد شاع العلم وانتشرت الثقافة في صفوف النساء في تراثنا العريق، إلى أن صارت الكتب تدخل في جهاز العروس عندما تزف إلى زوجها . فها هو الذهبي يقول عن مختصر المزني في الفقه : “وامتلأت البلاد بمختصره في الفقه ، وشرَحه عدد من الكبار ، بحيث يقال : كانت البكر يكون في جَهازها نسخة من مختصر المزني” . ما أعظم أن يكون الكتاب الإسلامي من ضروريات جهاز العروس، وما أبرك هذا الزواج، وتلك الزوجة التي يكون في جهازها، مختصر المزني في الفقه الإسلامي.

وإذا كان طلب العلم من حيث الأصل واجبا على المرأة، كما هو واجب على الرجل ، فلا شك أن بعض العلوم أولى بالرجل من المرأة ، وبعضها أولى بالمرأة من الرجل، بما يتناسب مع خصوصية كل منهما وتكوينه ، وإن كانت أكثر العلوم مشتركة تناسب الجنسين .

إذا كان هذا شأن المرأة المسلمة فيما سبق ؛ فما الذي يمنعها اليوم وهي المثقفة الدارسة، لأن تطمح إلى المعالي، فتشقُّ طريقها في الحياة ثقافة وعملاً ، مع محافظتها على حشمتها كما فعل هذا الصالحات في سلفها الصالح؟ وهل كان الحياء، والعفة، والحجاب، من الأمور التي أعاقت المرأة عن طلب العلم يوما من الأيام ؟!

في تاريخنا قامات علمية نسائية عظيمة، تكشف الغطاء عن جمال الإسلام وتاريخ عظيم، كان لحال المرأة سطورا مضيئة في عظمته وعلومه.

وقد قال تعالى: { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} [فاطر: 28] ولقد بلغ من تقدير الإسلام للعلم وأهله، أن كرم المتعلم ولو كان حيوانا، فقد ميز سبحانه بين الكلب المتعلم الصياد والكلب الجاهل، فشرف الكلب المعلم بأن أباح صيده. وحرم ما يصطاده الكلب غير المعلم، قال تعالى: { يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [المائدة: 4].

وكما قال الشاعر:

العلم يرفع بيتا لا عماد له والجهل يهدم بيت العز والكرم

شارك:
يُبث الآن إذاعة القرآن الكريم
التالي القرآن الكريم — تلاوة الفجر · ٠٥:٣٠