الانتقال إلى المحتوى

مقدمات في القرآن الكريم

أ.د. مزاحم المصطفى أرشيف قراءة ٣ دقائق

القرآن الكريم هو معجزة الإسلام الخالدة، وكلام الله المنزّل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، المتعبد بتلاوته، والمنقول إلينا بالتواتر.

إن الحديث عن القرآن الكريم هو حديث عن أعظم كتاب أُخرج للبشرية؛ كتابٌ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. اليوم، سنقف على عتبات هذا الكتاب العظيم، لنتعرف على نشأته، نزوله، وخصائصه التي جعلت منه دستوراً حياً للأمة الإسلامية إلى قيام الساعة.

القرآن في اللغة مشتق من القراءة، وفي الاصطلاح الشرعي: هو كلام الله تعالى، المنزّل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، بواسطة الملك جبريل عليه السلام، المكتوب في المصاحف، المنقول إلينا بالتواتر، المتعبد بتلاوته، المعجز بلفظه ومعناه، والمبدوء بسورة الفاتحة والمختوم بسورة الناس.

هذا التعريف الدقيق يقودنا إلى الحديث عن كيفية نزول هذا الكتاب العظيم. فالقرآن لم ينزل جملة واحدة على النبي صلى الله عليه وسلم، بل نزل مفرقاً (منجماً) على مدار ثلاثة وعشرين عاماً؛ ثلاثة عشر عاماً منها في مكة المكرمة، وعشرة أعوام في المدينة المنورة.

وكان لهذا النزول المفرق حِكمٌ عظيمة ذكرها العلماء، ومنها:

تثبيت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم: وتقوية قلبه أمام تكذيب الإعراض والجهود.

تيسير الحفظ والفهم: على أمة كانت تعتمد على الرواية الشفوية والأمية.

التدرج في التشريع: حيث نزلت الأحكام شيئاً فشيئاً لتسهيل تطبيقها والالتزام بها.

و من أهم المقدمات والعلوم المتعلقة بكتاب الله، هو علم “المكي والمدني”، وهو تقسيم اصطلاحي دقيق يعتمد على زمن النزول لا مكانه.

فالمكي ما نزل قبل الهجرة النبوية وإن كان بغير مكة، والمدني ما نزل بعد الهجرة النبوية وإن كان بغير المدينة.

وتميز كل قسم بخصائص موضوعية وأسلوبية فريدة:

القرآن المكي: ركز على بناء العقيدة، والتوحيد، وإثبات البعث والجزاء، وذكر قصص الأنبياء والأمم السابقة لتثبيت المؤمنين، وتميز بقصر آياته وقوة ألفاظه.

القرآن المدني: ركز على تفصيل الأحكام التشريعية من عبادات، ومعاملات، وحدود، وتنظيم شؤون الدولة والمجتمع، والحديث عن الجهاد والمنافقين، وتميز بطول آياته وأسلوبه التقريري الهادئ.

يتساءل كثير من المسلمين عن كيفية وصول هذا المصحف إلينا بشكل دقيق وموثق بين دفتي كتاب واحد.

لقد مرّ جمع القرآن الكريم بثلاث مراحل رئيسية ومحورية في تاريخ الأمة:

1. المرحلة الأولى (العهد النبوي): كان القرآن يُكتب فور نزوله على وسائل بدائية كالعُسُب واللِّخاف وقطع الجلد، وكان الحفظ في الصدور هو الركيزة الأساسية.

2. المرحلة الثانية (عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه): بعد استشهاد عدد كبير من القراء في حروب الردة، أشار عمر بن الخطاب على أبي بكر بجمع القرآن. فكُلف زيد بن ثابت برئاسة لجنة جمعت القرآن في صحف مرتبة الآيات، معتمداً على شهادة شاهدي عدل لكل آية مكتوبة ومحفوظة.

3. المرحلة الثالثة (عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه): مع اتساع الفتوحات الإسلامية واختلاف الألسنة والقراءات، خشي عثمان من الفتنة، فأمر بنسخ الصحف البكرية في مصحف واحد وإرسال نسخ منه إلى الأمصار، وهو ما يُعرف بـ “المصحف الإمام” أو “الرسم العثماني” الذي بين أيدينا اليوم.

إن هذا الكتاب ليس مجرد نصوص تاريخية أو أحكام تشريعية، بل هو المعجزة العقلية الباقية لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد تحدى الله به الإنس والجن على أن يأتوا بمثله، فعجزوا.

ويتجلى إعجاز القرآن في وجوه متعددة:

* الإعجاز البياني واللغوي: في فصاحته، ونظمه، وبلاغته التي أذهلت فطاحل لغة العرب.

* الإعجاز التشريعي: بصلاحية أحكامه لكل زمان ومكان، وتحقيقه للعدالة المطلقة.

* الإعجاز الغيبي: بإخباره عن أحداث ماضية ومستقبلية وقعت تماماً كما وصفها.

إن الوقوف على مقدمات القرآن الكريم يعزز في نفوسنا اليقين بعظمة هذا الكتاب، ويدعونا إلى مراجعة علاقتنا به؛ تلاوةً، وتدبراً، وعملاً.

والقرآن ليس للزينة في البيوت أو للتبرك الشكلي، بل هو منهج حياة وقانون أمة. نسأل الله تعالى أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا.

شارك:
يُبث الآن إذاعة القرآن الكريم
التالي القرآن الكريم — تلاوة الفجر · ٠٥:٣٠