الانتقال إلى المحتوى

المرأة كاملة الأهلية للتملك

أ.د.محمد أبو زيد أرشيف

إن المتأمل في تاريخ الحضارات والأمم يشعر بحيف وظلم على المرأة، بينما كنت أتأمل تاريخ الحضارات والديانات، حيث لم تجد المرأة من ينصفها، كمخلوق كامل الأهلية، يستطيع أن يمتلك مالا ليتصرف فيه بحرية، ومن المؤسف أن حال المرأة هذا استمر إلى عهود قريبة، فإن الثورة الفرنسية التي اندلعت عام 1789م، والتي تعد نقلة حضارية، فقد نص القانون المدني الفرنسي على أنها ليست أهلا للتعاقد، دون رضا وليها إن كانت غير متزوجة، وقد جاء النص فيه على أن القاصرين هم: الصبي والمجنون والمرأة. فلا وبهذا التعريف لا تستطيع المرأة أن تملك قرشا، ولا أن توقع عقدا. واستمر ذلك حتى عام 1938″.

لقد كانت المرأة في التاريخ القديم، عند كل الأمم مهملة، لا تزيد عن يد عاملة حقيرة شريرة، ثم انتهى أمرها لتكون ألعوبة بيد الرجل الذي يزعم الحضارة، يستغل أنوثتها أبشع استغلال، ولم تصل بعد، ولن تصل إلى الذروة التي وضعها فيها الإسلام، بأن صارت أمّا مقدّرة، وزوجة مَحمية مصانة، مُربية للأجيال، وبنتا مدللة مكفولة مَرعية. وعالمة يتخرجُ من تحت يدِها علماءٌ من الجنسين.

فقبل 1400 سنة قال رسولنا – صلى الله عليه وسلم – فيما روته عنه أمُّ المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها: “النِّسَاءُ شَقائقُ الرجال”. وكلمة شقائق، أقوى كلمةٍ في المساواة، بالكرامة الإنسانية والأهلية.

قال تعالى: لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا [

في هذه الآية الكريمة يتولى سبحانه بنفسه توزيع أموال الميت، ولم يترك هذا لأوليائه؛ فإن النفوس كثيرا ما تشح بالأموال، وتصيبها أثرة، وبين الورثة الضعيف والصغير، ومن لا يقوى على الدفاع عن نفسه وحقه، فيأكلُ ماله الأقوياء، ولعل هذا كان من أكبر الأسباب في أن يتولى سبحانه التوزيع المقدس للأموال؛ لأنه سبحانه جعله قرآنا يتلى إلى يوم القيامة، فمن خالفه يكون خصما لرب العالمين، يحاسبه عليه عاجلا أم آجلا، يوم الدين.

في هذه الآية يعالج سبحانه، ظلما طال المرأة العربية وغير العربية عبر التاريخ، في توزيع الميراث، فكان العرب كغيرهم لا يورثون الصغار والنساء، بحجة أنهم لا يقاتلون، فكان من ثقافتهم عدم توريث من لا يقاتل، أو من لا يحمل السلاح ، فعاب عليهم سبحانه صنيعهم هذا ، وصورهم في كتابه بمنظر قبيح ، فعبر عن حرمانهم للضعفاء من الميراث، بلفظ الأكل لمال الضعفاء، ليتخيل الإنسان أنيابهم تنهش مال الفقير بلا رحمة، فينفر الإنسان الحُرّ الكريم، ويستقذر المنظر كل من تخيله أو سمعه، لتعود النفوس إلى فطرتها، وتلين قلوبها، وإلا فالنار مأوى للقلوب المتحجرة، والضمائر الفاسدة.

قال سبحانه: وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَّمًّا [الفجر:19]. والتراث: هو الميراث. والمقصود بالرجال الذكور، وإن كانوا صغارا.

وقد أورد سبحانه حكم الرجال مستقلا، فقال ( لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ ) وبعدها قال: (وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ) ولم يجمعهما كقولك: للرجال والنساء نصيب. بهدف الاعتناء بأمرهن، والإيذان بأصالتهن في استحقاق الإرث، والمبالغة في إبطال حكم الجاهلية.

عندما توفي أحد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واسمه أوس بن ثابت الأنصاري، ترك زوجة وثلاث بنات ، فمنعهن أولاد عمهن من الميراث، على عادة الجاهلية ، فجاءت زوجة الميت واسمها أم كجة، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت إليه ، فقال: ارجعي حتى أنظر ما يُحدثه الله تعالى ، فنزلت هذه الآية الكريمة التي ذكرتها، فأرسل الرسول  إليهما : إن الله قد جعل لهنّ نصيبا.

نخلص مما ذكرت إلى أن الإسلام ، جاء فوضع هذه المعالم ، وهذه الأحكام ، وهذه الآداب انتصارا للمرأة المسلوبة المظلومة، ليرفع قيمتها بعد أن كانت توأد في الجاهلية خوفا من عارها وطعامها ؛ لتصبح في ظل الإسلام مكرَّمة معزَّزة. فما أجهل الجاهلية التي أعطت المال للقوي، وحرمت الضعيف ! إذ الضعيف أولى بالمال من القوي، ليتقوى ويجبر ضعفه ، ومصير الصغير أن يكبر ، فإذا كبر في الجاهلية، وجد أن الأقوياء قد أكلوا ماله ، ووجد نفسه فقيرا محسورا ، اجتمع عليه فقد الأهل والمال، فما كان من الإسلام إلا أن حفظ ماله، ليتقوى به في قابل أيامه ، وليحفظ به استقلاله وكرامته .

وكذلك ردّ الإسلام للمرأة حقها من ميراثها، لافتا النظر إلى أهليتها للتملك، واقتناء الأموال، وحرية التصرف بها ، مما يقوي شخصيتها ويحفظ لها شيئا من استقلاليتها ، وكرامتها .

شارك:
يُبث الآن إذاعة القرآن الكريم
التالي القرآن الكريم — تلاوة الفجر · ٠٥:٣٠