نساء عالمات
إن المتأمل في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: 34] يجد أنها تحث النساء على طلب العلم، ففي هذه الآية الحكيمة، يخاطب سبحانه مجموعة من النساء، شرفهن الله بأن صاروا أمهات للمؤمنين، وهو لقب لمن تزوجت رسول ﷺ، وإنه لشرف عظيم، أن تعيش المرأة في بيت، ينزل فيه سيد الملائكة، جبريل عليه السلام بالوحي على سيد البشر رسولِنا محمد ﷺ، وفرصة كهذه في طلب العلم، ينبغي أن لا تفوتها المرأة الحكيمة، فهي تنهل من المصدر النقي المعصوم، إرشادات جاءت لهداية الكوكب بمن فيه، على اتساع المكان ومر الزمان.
لقد طلب الله سبحانه من أمهات المؤمنين، تعلم أمرين: الأول: آيات الله، والمقصود بها، القرآن الكريم، والثاني الحكمة: وهي السنة النبوية. وهكذا تكون أم المؤمنين، قد جمعت التشريع الإسلامي بمصدريه نصا، وبعِشرة الرسول ﷺ تكون قد تعلمت شروح النصوص وفهمها. هذا الخير العظيم، هو الذي أرشد سبحانه وتعالى إليه.
وهذا يعني أن العلم المطلوب من المرأة، يتجاوز معرفة الكتاب والسنة، إلى معرفة الأحكام التي أوجبها سبحانه، والنواهي التي نهى عنها.
ولما كانت أمهات المؤمنين قدوة لنساء العالمين، فقد سار على نهجهن النساء قديما وحديثا، فنبغ في حقل العلم الشرعي الكثير من النساء، وصرن في مصاف العلماء، فلا تخطئهن عيون طلاب العلم وطموحاتهم، فتتعلق بهن على أمل الرحيل إليهن طلبا للعلم والفهم والمعرفة.
لو تأملنا في تراثنا الإسلامي لوجدناه سطر لنا في صفحاته البيضاء أسماء كثير من هذه النسوة. بعد أن حررهن الإسلام من الجهل، وأعطاهن كرامتهن وإنسانيتهن، من غير أن يغير شيئا مما ينبغي للمرأة أن تحتفظ به، من أنوثة، وعفة، وأخلاق، وحشمة ، فجمعت المرأة بين شرف العلم، والسلوك القويم، فنالت التقدير والاحترام في المجتمع، بين النساء والرجال على السواء ، بل وصل الأمر ببعض العلماء، إلى أن يطلبوا العلم من عالمات نساء ، ويذكر هؤلاء العلماء أسماء شيوخهم من النساء، بين شيوخهم الذي تتلمذوا على أيديهم ، ولا يشعرون بأي غضاضة .
لقد كان من بين هؤلاء الرحالة في طلب العلم من النساء العالمات إمام مشهور، إنه الإمام الذهبي رحمه الله، المتوفى في القرن السابع الهجري، فقد ذكر أنه تتلمذ على كثير من النساء، ذكرهن في معجم الشيوخ ، والملفت للنظر، ما ذكره لنا عن تلهفه للقاء إحدى العالمات في مصر، حيث رحل إليها من دمشق ولم يدركها، فكتب قائلا : سيّدة بنت موسى بن عثمان بن درباس المارانيّ ، أم محمد شيخة صالحة معمرة ، كنت أتلهف على لقياها ، ورحلت إلى مصر وعلمي أنها باقية ، فدخلت، فوجدتها قد ماتت من عشرة أيام. رحمها الله. وواضح من كلام الذهبي أنه يشعر بخسارة كبيرة لفقدها، ولعلو كعبها في العلم.