إبراهيم وهاجر والطفل إسماعيل
جاء إبراهيم بهاجر وابنها إسماعيل، وكان إسماعيل لا يزال رضيعًا، إلى مكة، وكان المكان يومئذٍ خاليًا لا ماء فيه….ووضع عندهما شيئًا من التمر وقربةً من الماء، ثم انطلق.
تخيلوا المشهد…
أم…وطفل رضيع…..ووادي لا يكاد يظهر فيه أثر للحياة.ثم ترى هاجرُ إبراهيمَ يبتعد.
فتتبعه وتسأله: إلى أين تذهب؟؟؟
ولماذا تتركنا في هذا الوادي الذي ليس فيه أحد؟؟؟؟
وهو لا يجيب….تسأله مرة أخرى…ثم مرة أخرى…حتى قالت له: آلله أمرك بهذا؟؟! فقال: نعم…عندها تغيّر السؤال….لم تعد هاجر تسأل: لماذا؟؟؟لأنها عرفت أن وراء هذا الأمر ربًا لا يضيّع عباده.فقالت كلمتها التي أصبحت مثالًا خالدًا في حسن الظن بالله: «إذًا لا يضيّعنا»…ثم رجعت.
أي يقين هذا؟؟؟ إنها لا ترى الماء…ولا ترى الناس….ولا ترى أسباب النجاة…لكنها ترى الله…وهنا ينبغي أن نتوقف….لأن التوكل على الله لا يعني أن الإنسان يعرف كيف ستأتي النجاة.
التوكل أن يثق بالله حتى عندما لا يعرف كيف ومتى سيأتي الفرَج.
وهذا ما فعلته هاجر.
أما إبراهيم، فقد مضى.
حتى إذا ابتعد عنهم بحيث لا يرونه، وقف واستقبل البيت، ورفع يديه إلى الله بالدعاء.وهنا يكشف القرآن لنا جانبًا آخر من القصة..قال إبراهيم:
﴿ رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ﴾
لاحظوا ترتيب الدعاء.إبراهيم لم يبدأ بطلب الطعام.ولا المال.ولا الراحة.بدأ بقوله:
﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾..ثم طلب الأمن والمحبة والرزق.
وكأن الرسالة واضحة:
إذا استقامت الصلة بالله، جاءت بقية المطالب في موضعها.